أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
140
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
وأما الكلام المؤوف بالآفة الثالثة ، وإن كان مذموما ، لكن لا يختص بالكلام ، فذمه بها من بين غيره من العلوم ، لا يعرى عن العدول عن الانصاف وأيضا هذا الذم ان كان ، فإنما يكون في الباحث عنه لا في العلم نفسه ، إذ كم من عالم بالكلام ، عار عن الهوى والعصبية ، وكم من عالم بغيره من العلوم ، متصف بهما ، فأخذ الكلام بذلك ، أخذ الجار بذنب الجار ، وكأن لسان حال الكلام يقول في مقابلة هذا الملام : غير جنى وأنا المعاقب فيكم * فكأنني سبابة المتندم هذا ولعل ما وقع من الانكار من العلماء الأبرار ، كان على الآفتين الأوليين ، لا على علم الكلام نفسه ، وكيف لا ، وعلماء الكلام قد شرطوا في الكلام الخلو عنهما . وأما الآفة الثالثة ، فلا اختصاص لها بالكلام أصلا ، فقد اتضح لديك أن نهى أبي حنيفة رحمه اللّه ابنه عن الكلام ، كان لأجل الآفة الثانية ، لأنه جعل سبب الحرمة الجدال واتباع الهوى ، وكذا ما حكاه عن نفسه من المنازعة ، فإنما وقعت له مع الاعتزال والارجاء وأمثالهما ، فالمذموم كلام أهل العصبية والهوى . وأما كفه نفسه آخرا عن الجدال معهم ، مع أن الجدال بالتي هي أحسن مأمور به في الشرع فلافضائه إلى الاشتغال به وراء قدر الحاجة ، وذلك منهي عنه ، لأن قدر الحاجة منه تأييد الكتاب والسنة بالأدلة العقلية ، وليس وراءه الا المباحث الفلسفية ، لأن علم الكلام يتاخم علم الحكمة ويجاوره ، فربما يتجاوز الطالب بالافراط فيه إلى المباحث الحكمية وهذه منهي عنها ، لكن إن بحث عنها على وجه التسليم والقبول ، ( وأما البحث عنها لكونها مبادئ علم الكلام ، أو لأجل ردها ، فذلك منهي عنه ، كما عرفت فيما سبق ) . وأما قول أبي حنيفة : مع أني رأيت من تنحل بالكلام ، وتجادل فيه ، ليس سيماؤهم سيماء المتقدمين ، ولا منهاجهم منهاج الصالحين ، رأيتهم قاسية قلوبهم ، غليظة أفئدتهم ، لا يبالون مخالفة الكتاب والسنة ؛ يدل دلالة صريحة على أنه أراد بالكلام المذموم كلام أهل الاعتزال الشائع في زمانه ، وأما الكلام الذي